فخر الدين الرازي

64

المطالب العالية من العلم الإلهي

لكنا نعتقد فيه أنه ملك بعيد الغور ، عظيم الفكر ، كامل العقل قد يأتي بأفعال يظن بها أنها توجب المفاسد العظيمة إلا أنه بعقله الكامل ، وفكره الغائص ، يعرف فيها من وجوه المصالح الخفية ما لا يقف عليه الغير البتة . فإذا اعتقدنا في الملك هذه الصفة ، لم يصر ظاهر أفعاله دليلا على التصديق والتكذيب . ومن المعلوم : أن أقسام حكمة اللّه تعالى في تدبير السماوات والأرض ، فما لا سبيل لأحد إلى الوقوف على معاقده وضوابطه ، فكيف يمكن قياس أحد البابين على الآخر ؟ الفرق الثاني : إن الملك في الشاهد لو أتى بذلك المطلوب ، مع أن ذلك المدعي يكون كاذبا . لكان ذلك سعيا منه في [ إفساد مملكته ، وذلك بعيد . لأن سعيه في إفساد مملكة نفسه ، سعى منه في « 1 » ] إلحاق الضرر بنفسه ، وأنه بعيد ، بخلاف الحال في هذه المسألة ، فإنه تعالى لا ينفعه شيء ، ولا يضره شيء . فكيف يمكن قياس أحد البابين على الآخر ؟ الفرق الثالث : إنا قبل ذلك المجلس شاهدنا صورته ، وعرفنا كيفية تدبيره وضبطه للملكة ، فتتأكد بعض تلك الإمارات بالبعض ، ويتولد من المجموع : الجزم واليقين ، أما في حق للّه تعالى فلم يشاهد منه إلا هذا الفعل الواحد ، الدال على صدق هذا المدعي ، وأما البواقي فأحوال عظيمة لا تصل إلى كيفيتها وكميتها عقول الخلق ، فظهر الفرق . ثم نقول : إن هذه الفروق إنما نحتاج إلى ذكرها ، إذا عرفنا بأن قياس الغائب على الشاهد : طريقة مقبولة في المسائل العقلية . فإنا قد بينا في علم المنطق بالدلائل الكثيرة أنها طريقة ضعيفة لا تفيد الظن المقنع ، فكيف الجزم واليقين ؟ [ فإنه لا حاجة بنا إلى هذه الفروق ، بل ذكرها يجري مجرى الزيادة ، التي لا حاجة إليها . واللّه أعلم « 2 » ] .

--> ( 1 ) من ( ل ) ، ( طا ) . ( 2 ) من ( ل ) ، ( طا ) .